الاثنين، 14 مايو 2007

(12)

كيف أنقذ الفجر الصادق سعيدًا من الضياع في دياميس عكا

وهكذا، يا محترم، تحولت عن طريق بيروت يسارًا، فدخلت في أزقة عكا، ودرت حول المسجد ‏حتى حارة الخرابة. فانقضى الفجر الكاذب واشتد سواد الليل. فأخذت أتلمس طريقي وأتعثر، حتى ‏رأيت ضوءًا في جهة البحر غربًا يغاضن بعينه مغاضنة متناسقة كأنما يستحثني إليه ويدعوني، ‏مثل عين أستاذ العربية اليسرى، المصابة بداء الغضن العصبي. فلما لحظتها أول مرة حسبته ‏يدعوني إلى اللوح. فقمت إلى اللوح. فصاح: عد إلى مكانك يا لوح! فعدت. فظلت عينه اليسرى ‏تغضن. فحسبت أنني فهمت مأربه. فلما تلا علينا النشيد: (فلسطين بلادي، هيا يا أولادي)، ‏وغضن بعينه اليسرى، ضحكت قبل أن يتم البيت. فتوقف مذهولاً.. فسمعت لهاث الطلبة ‏المذعورين. فنزل علي ضربًا بالمؤشر حتى تحطم. ثم حكم عليّ بأن أقعد بعد الدوام أنسخ قصيدة ‏امرئ القيس: ‏
سما لك شوق بعدما كان أقصرا
‏ وحلت سليمى بطن ظبي فعرعرا ‏
حتى البيتين: ‏
بكي صاحبي لما رأى الدرب دونه
‏ وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا ‏
فقلت له لا تبك عينك إنما
‏ نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا ‏
عشرين مرة! ‏
ومنذ ذلك الحين تحققت عاقبة الاستهزاء، فحمدت معلمي على ما أصاب عينه اليسرى من غضن ‏عصبي. وقلت في نفسي: مليح أن تحطم مؤشره على بدني. ‏
ولكنني أيقنت، وأنا أرقب الضوء المغضن، المنبعث من ناحية الغرب، أنه ليس عين معلمي ‏اليسرى. ذلك لأن أشباح المسجد كانت أخبرتني بأن معلمي هذا استشهد وهو ينقل متفجرات من ‏حيفا إلى عكا في الأسبوع نفسه الذي قضى فيه الجيش البريطاني على الثوار في موقع المصرارة ‏في القدس، وفي القسطل على طلعة القدس، قبل زحف الجيش العربي، بقيادة أبو حنيك، جلوب ‏باشا، على تلك المناطق من فلسطين التي تقرر إخلاؤها من العرب، رحمه الله. ‏
لذلك توجهت نحو الضوء المغضن وأنا متحقق أنها دعوة سماوية، حتى أشرفت على البحر، ‏فرأيت أن منارة عكا إلى يساري، هي التي كانت عينها تغضن، وتدعوني. ‏
فاستهواني هذا الضوء الذي لم ينطفئ، بعد أن انطفأت بقية الأضواء في عكا المحتشمة صبرًا. ‏
ورحت أتقدم في اتجاه المنارة على درب خاو، وقد هدأ البحر، وانكفأ الموج، سوى مداعبة هينة ‏مع سيقان الصخر الرابض أمام سور أحمد متأهبًا لالتقاط قبعة نابليونية أخرى. ‏
نعم، يا محترم. فإذا ما انفك الآدميون يربضون هذه الربضة، فكيف لا يفعلها صخر عكاء? ولقد ‏ظل العكيون يرددون، استخفافًا: يا خوف عكا من هدير البحر! حتى أثبت جيرانهم الحيافنة، وهم ‏يهرعون إليهم، عبر البحر المائج، أنهم أشد استخفافًا بالبحر منهم. ‏
حتى تناهى إليّ صوت فجائي دون ما مفاجأة، ينادي: ‏
يا سعيد، يا سعيد! فاستحوذني شعور الذي يسترق النظر من ثقب المفتاح على عذراء في خدرها. ‏فأردت أن أعود القهقرى استحياء لولا أنه عاد ونادي: هلم! ‏
قلت: ها أنا ذا ‏
قال: اقترب! ‏

فإذا بهيئة رجل طويل القامة، ينبثق مع الضوء من صخر المنارة، فينتشر مع ضوئها ويختفي ‏باختفائه، كأنما هو مغاضنة عين المنارة. وقد التف بعباءة زرقاء ذات زبد أبيض، مثل قنديل ‏البحر. وهو يتقدم نحوي وأنا أتقدم نحوه حتى التقينا في منتصف الفسحة بين بقية السور يمينًا ‏وبقية السور يسارًا على أرض حارة الفاخورة. ‏
فلم أر من وجهه سوى تجاعيد أشبه بصفحة البحر حين تلفحه نسمة شرقية. ‏
فألقى في روعي أن في التجاعيد جمالاً مثلما يكون الجمال في نضارة الصبا. ولولا رهبة الحلكة ‏لأكببت عليه ألثم خده. ‏
وسوى عينين واسعتين، غؤورين، على حور أنيس، يعمق غورهما كلما اكتنفهما الظلام، ثم ‏تطفوان كلما انعكس الضوء عليهما، كأنما الحدثان، الليل والنهار، يتعاقبان فيهما في لحظة ‏متكررة. ‏
وسوى جبين عريض سرعان ما تحققت أن ما يختفي عني منه أعرض مما طاق بصري أن ‏يلحظه لأول وهلة. وفيما بعد، حين وقفت أول مرة في حياتي أمام ناطحة سحاب، وأنا لاه، ‏فانتبهت على أنني أصعد البصر في بناء شامخ فلا أرى، للوهلة الأولى، جميع علوه الشامخ، ‏تذكرت جبين شيخ المنارة. ‏
فمد يده إليّ. فصافحتها. فشعرت بالراحة. فلم أسحب راحتي. وقلت في نفسي: إن في راحته ‏لأسرارًا. ‏
قال: ألم تكن تبحث عني? ‏
قلت: طول العمر يا ذا المهابة. فهل جئتم? ‏
قال: نحن هنا، نحن هنا، حتى تجيئوا إلينا. ‏
قلت، وما زالت راحتي في راحته: كنت حسبت أن المصافحة شيمة همجية.‏
فتبسم حتى صفت صفحة خده من تجاعيد البحر، ثم قال: ونحن حسبنا أنكم، لما أخذتم هذه ‏الخصلة، عبرتم على نصف الطريق إلينا. إن أول إنسان صفق كفا بكف استحسانًا نقشنا اسمه ‏على لوحة الخالدين من قبل سلامة وبتهوفن وسيد درويش. ونراه نبيكم الأول. ويخجلنا أن أكثركم ‏ما زال يبخل على فنان، أو على حادي ركب، بهذا الثمن. اثنان من أهل الأرض صدرنا بهما ‏لوحتنا: أول من أشعل نارًا، وأول من صافح أخاه. وكانا أول من تصافح. أبق راحتك في راحتي ‏واسترح! ‏
ففعلت. ‏
قال: فماذا تريد يا سعيد? ‏
فهتفت: أن تخلصني. ‏
قال: ممن? فسحبت كفي من كفه فزعا. وحبست لساني قبل أن يزل فيما لا تحمد عقباه. كان أبي ‏رحمه الله، قد علمنا أن الناس يأكلون الناس، فحاش أن نثق بمن حولنا من الناس. إنما علينا أن ‏نسيء الظن بكل الناس، حتى ولو كانوا إخوتك من بطن أمك ومن ظهر أبيك. فإذا لم يأكلوك، فقد ‏كانوا يستطيعون أن يأكلوك. ووالدي، رحمه الله، ظل يأكل الناس حتى أكلوه. ‏
فأمسكت لساني، حرصًا، وقلت في نفسي: يكون الحاكم العسكري أرسله ليختبرني? وقلت: شكرًا ‏يا ذا المهابة، فأنا أكاد ألاّ أعرفك. وهنأت نفسي على هذه اليقظة. ‏
قال: اتبعني! ‏
فقلت في نفسي: يكون لا يزال يختبرني? فتبعته. ‏

فدخل بي تحت قنطرة إلى يمين السجن. فساحة مسجد الرمل. ثم دار بي حول جامع الجزار.. فإذا ‏بقبو غصنا فيه، فإذا نحن في دياميس عكا، وقد جعل نور عينيه كشافًا أمامنا. ‏
حتى دخلنا في بهو رحب، رطب، قد انكفأت أجنابه عن مصاطب افترشنا إحداها. ‏
فقال: كان من سبقكم يبني فوق من سبقهم، حتى جاء جيل الأثريين، يحفرون من تحت ويهدمون ‏من فوق. فإذا سرتم على هذا المنوال ستبلغون الدناصير ‏
قلت: فما هذا المكان يا ذا المهابة? ‏
قال: هذا بهو التجار من جنوا. وفيه كانوا يبيتون، ويتقايضون، ويتقمرون، ويتقامرون، ويلدون، ‏ويولدون، ويُدْفنون ويَدْفِنون. ‏
قلت: فلماذا أثخنوا الأرض بهذه الدياميس، يا ذا المهابة? ‏
قال: ليستشروا وليكفوا شر الأهالي، فوق، عنهم. ‏
قلت: ولكن الدياميس لم تنقذهم. ‏
قال: ولكنهم لم يحسبوا ذلك. ‏
قلت: ما اسمك يا ذا المهابة? ‏
فرمقني بعينين رأيت في سوادهما الواسع سعيدين ينظران إلىّ في تعجب: سعيدًا ملحاحًا، وسعيدًا ‏خائفًا. ‏
ثم قال وهو يبتسم: عندكم يخرج الإنسان على الناس باسمه. أما نحن، عندكم، فأنتم الذين تطلقون ‏علينا الأسماء التي تستريحون عليها. سمّني المهدي، الذي استراح أجدادك عليه، أو الإمام، أو ‏المنقذ. ‏
فقال أحد السعيدين، وكان السعيد الآخر ينكمش ويتضاءل: فأنقذنا، يا ذا المهابة! ‏
فحدجني بنظره حتى تكسرت أمواج الغضب على السعيدين في عينيه فتلاشيا، ثم قال: هذا شأنكم، ‏هذا شأنكم! حين لا تطيقون احتمال واقعكم التعس ولا تطيقون دفع الثمن اللازم لتغييره، لأنكم ‏تعلمون أنه باهظ، تلتجئون إليّ. إنني أنظر إلى ما يفعله الناس الآخرون، وما يبذلونه، ولا ‏يسمحون لأحد بأن يحشرهم في ديماس من هذه الدياميس، فأغضب عليكم. ماذا ينقصكم? هل بينكم ‏من تنقصه حياة حتى لا يقدمها، أو ينقصه موت حتى يخاف على حياته? ‏
وكنت أستمع إليه وأنا مبهور النفس. واحْلَوْلَك الديماس في عيني. وتذكرت فجري الموعود في ‏مدينتي حيفا الحبيبة. فاشتدت عليّ الهواجس. ‏
فقلت: غدًا أعود إلى مدينتي حيفا، يا ذا المهابة.. وأحيا فيها، فانصحني. ‏
فهدأ اضطرابه. وقال: لن تجديك نصيحتي. إلاّ أنني سمعت في بلاد فارس حكاية عن فأس ليس ‏فيها عود ألقيت بين الشجر. فقال الشجر لبعض: ما ألقيت هذه ها هنا لخير! فقالت شجرة عادية: ‏إن لم يدخل في إست هذه عود منكن فلا تخفنها. *‏
اذهب، فهذه الحكاية لا تصلح للعود. ‏
‏- فهل أستطيع، يا ذا المهابة أن ألقاك مرة ثانية? ‏
‏- متى شئت، تعال إلى هذه الدياميس. ‏
‏- في أية ساعة، يا ذا المهابة? ‏
‏- حين تخور. ‏
‏- متى? ‏

ولكنه كان قد اختفى. فبقيت وحدي أتخلل في الدياميس، وأهيم في ديماس حتى أتعثر بآخر، إلى ‏أن شق الفجر الصادق بطن الأرض فألفيتني في باحة المسجد أتمطى وأتثاءب. ‏

(11)

كيف لم يمُتْ سعيد شهيدًا في وادٍ على الحدود اللبنانية

فلما كنت مطمئنًا على قدري، ومتحققًا أن الأسوأ لن يصيبني، هبطت الهوينا درجات الباب ‏الشمالي، فملأت طاسة ماء من سبيل الطاسات، فارتويت وترحمت على أحمد الجزار. ثم ‏سرت في سبيلي. ‏
فإذا أمامي الطريق العريض حيث المسار شمالاً، إلى رأس الناقورة، فلبنان. فخفضت رأسي ‏خجلاً من غزالة. وتحولت عنه. ‏

كنا ثلاثة شبان زملاء صف واحد. فقررنا في نهاية الإضراب الكبير (1939) أن نعبر ‏الحدود إلى لبنان فنزور دار القيادة في بيروت نطلب سلاحًا. ‏
فركبنا سيارة الأجرة حتى قبيل رأس الناقورة. ثم انحرفنا يمينًا سيرًا على الأقدام بين كروم ‏العنب. فهبطنا واديًا عميقًا، فأظلمت السماء. فلما أخذنا نصعد على كتفه المقابل، أنهكنا التعب ‏وألهبنا العطش. فاستحثني الآخران، فبكيت. فخلفاني وراءهما بعدما خيراني بين الاستمرار ‏في الصعود أو أن أموت شهيدًا. فاخترت الأمر الأول. ولم ألحق بهما إلاّ بعد أن كانا قد ‏ارتويا من قطوف الدوالي الدانية. فرحت أروي غليلي، فلم ينتظراني. ‏
وإذا بفتاة في مثل عمري، تنادي والدها: هذا شاب مجاهد من فلسطين. فيجيبها الفلاح من ‏بعيد: اسقيه وأطعميه. فنتجاذب أطراف الحديث. فأقع في حبها. فتقول إن اسمها غزالة، وإنني ‏غزالها. فقد كنت خلب بنات. ‏
فأعدها بأن أعود إليها بعد أسبوع، ومعي السلاح والذخيرة، فألتقيها تحت هذه الدالية. ‏
فقالت إنها ستخبر والدها بالأمر، فلن يمانع بأن يخطبها شاب حلو من فلسطين. ‏
فأنحني عليها كي أقبلها. فتنفر غزالة ضاحكة وهي تقول: عد أولاً من بيروت. فلا أتبين سبب ‏صدها. ولكنني أسرع كي ألحق برفيقي. ‏
فأراهما أمامي على طريق الأسفلت تحيط بهما جماعة من شرطة الحدود اللبنانية. فقلت في ‏نفسي: مليح أنني تأخرت عنهما، وأنني علقت غزالة. ‏
فرأيت رجال الشرطة وهم ينحرفون بهما عن طريق الأسفلت، يسارًا، وينزلون بهما إلى ‏معسكر على الشاطئ، فيغيبون فيه. ‏
فسرت في الطريق نفسها مبتعدًا عنهم. فلم يلحظوني. قلت: نجوت. ولكن، أين أسير? لا مال ‏عندي ولا عنوان. فكيف أتدبر أمري في بيروت?‏
قلت في نفسي: هذا أسوأ من الحبس. فعلي أن أعود إليهما، فالحبس أقل سوءًا. ‏
فعدت إليهم. فسألني ضابطهم: ومن أنت? قلت: ثالثهم. قال: فلماذا سلمتنا نفسك? قلت: لا مال ‏ولا عنوان. ‏
‏- فأين مالكم? ‏
قلنا: لدى كبيرنا. ‏
وكنا جمعنا لديه عشرين جنيهًا، مالاً صامتًا، أخذ العسكر نصفه وشتمونا. وأما النصف الآخر ‏فأبقوه مع كبيرنا، فأنفقناه فيما وراء البنك في بيروت. وعدنا على الطريق نفسها. ولكننا لم ‏نحد عنها نحو كروم الدوالي، فقد كان الضابط اكتفى بالجنيهات العشرة ذهابًا وإيابًا. فلما التقانا ‏عائدين حيانا وسأل: أين السلاح أيها المجاهدون? أجاب كبيرنا: سلاحنا العلم، وما معنا شروى ‏نقير. فلم يشأ الضابط أن يقتسمها. بل صفع كبيرنا على قفاه وصاح: اعبروا! فطرنا هاربين ‏نحو حدودنا، وكبيرنا يقول: العلم بالشيء ولا الجهل به. ‏
فقلت: مليح أن صار هكذا، ولم يصر غير شكل. فصفعاني. فبكيت. ‏
ولكنني كنت أبكي على غزالة التي ضاع غزالها في بيروت. وتبينت سبب صدها. ‏
وبقيت، وأنا في صور فيما بعد لاجئًا، أتوق إلى زيارة الدالية على الحدود، حتى سمعت ‏الدكتور عشيق أختي، يومًا يقول: أصبح الفلسطينيون لاجئين تنفر البنات منهم. فتحولت نحو ‏اللاجئات. فاللاجئات للاجئين. فوجدتهن، على غير حالتنا، مشتهيات. فانشغلن عنا. فعدت إلى ‏دولة إسرائيل وأنا عطشان. ‏

السبت، 28 أبريل 2007

(10)

سعيد يفشي بسرّ عجيب من أسرار العائلة

أَرِقْت، لا لأنني كنت مضطربًا، بل لأنني كنت مبهورًا بطالعي الحسن. فها أنا ذا أعود إلى أرض الوطن متسللاً، ‏فلا ينالني سوء، مع أن شعبي كله يهيم على وجهه مشردًا، فإذا لم يهم، هيَّموه. ‏
إلاّ أنا. أتسلل في سيارة الدكتور عشيق أختي، فيبقى عفاف أختي مصونًا بفضل زوجة مضيفنا في معليا، فأنتقل ‏من السيارة إلى الدابة، ومن الدابة إلى الجيب. وفي الطريق إلى عكا أنجو من الموت الأكيد بفضل انكماشي الذي ‏جاء في وقته. فألتجئ إلى جامع الجزار في كنف معلمي الذي عفوت عنه، فيأتي العسكر ويقذفون بالأشباح، ‏وبأطفال الأشباح، إلى ما وراء الخطوط، سوى سعيد أبي النحس المتشائل، فكيف لا أشعر بأن هذه الليلة هي ‏ليلة سعدي? ‏
لا يمكن أن يكون الأدون سفسارشك هو سبب كل هذا السعد. هل هو خاتم شبيك لبيك? أو هو قنديل علاء ‏الدين? إن في الأمر لسرًا خارجًا عن قدرة البشر. ‏
فقررت أن أخرج لأكشفه. وقبل أن أخرج. عفوًا يا أستاذ. بل قبل أن أروي لك ما جرى لي بعد خروجي، من ‏الضروري أن أعرّفك بخصلة أصيلة أخرى من خصال عائلتنا العريقة، بالإضافة إلى التشاؤل، وإلى أننا مطلاقون. ‏
كان والدي، حين استشهد، يستشفّ الأرض تحته. فلم يكشف الكمين الذي كمن له وأودي بحياته. ووالده، ‏من قبله، شجَّ رأسه بحجر الطاحون لأنه كان ينظر في الأرض بين قدميه، فلم يقم بعدها. ‏
فهذه هي شيمة عائلتنا النَّجيبة، أن نظل نبحث تحت أقدامنا عن مال سقط سهوًا من صرَّة عابر سبيل لعلنا ‏نهتدي إلى كنز يبدل حالنا الرتيبة تبديلاً. ‏
وثقْ، يا محترم، بأنه ما من عجوز، في طول بلاد العرب وعرضها، يسبق رأسها بقية جسمها إلى القبر، وتدب ‏مقوسة مثل رقم ‏‎8‎‏ ، إلاّ ولها صلة قربى بنا. وما من شاب ينصب الفخاخ لالتقاط نشرات الأخبار الإذاعية، لا ‏يبقي محطة ولا يذر، مثل صياد السمك الذي يلقي بصنانيره لعل السمكة الذهبية تعلق بإحداها، إلاّ ويكون ابن ‏عم أو ابن خال.‏

ولكن، يجب ألاّ تفهم من هذا الكلام أن جدودنا لم ينتهوا إلاّ برؤوس مهشمة. بل لقينا أموالاً ضائعة كثيرة، ‏جيلاً بعد جيل، فلم تبدل شيئًا من حياتنا الرتيبة. ‏
ومن أسرار العائلة أنه في زمن خروج الأتراك ودخول الإنجليز، خرج عمي لجدي من بيته في القرية الفلانية - ‏نحن، مثل الماسون، لا يمكن أن نفشي أسرارنا العائلية - وكان ينظر إلى أسفل كعادتنا. فاصطدم رأسه بحجر في ‏بيت خراب. وكانت جمجمته صلبة. فتدحرج الحجر من مكانه. فانكشفت أمامه هوة تغضنت في سفحها ‏درجات هبط عليها، فإذا بظلام خفاش. فقدح زناد فكره، فقدح زناده، فاستضاء. فرأى لحودًا رخامية أخذ ‏يفتحها فإذا فيها جماجم وبقية عظام، وغاليات ذهبية دسها في دكة سرواله، حتى فتح لحدًا أكبر من الآخرين، ‏فإذا فيه، مع الجمجمة التي كانت، كما قيل، أصغر حجمًا من بقية الجماجم، تمثال من الذهب الخالص للخان ‏مانجو، أكبر إخوة هولاكو، الذي صرعته الدوزنطاريا وهو يغزو الصين. فنقل جثمانه الضخم إلى عاصمة ملكه ‏على حمارين. ولم يكونوا قد بلغوا في ذلك الوقت ما بلغناه من علم، فلم يهتدوا إلى فرق الكشافة. ولم تكن ‏لديهم مدارس يصفون أولادها على الجانبين، كما فعلوا بنا في حيفا في الثلاثينيات، حين صفونا على جانبي ‏شارع الناصرة أمام عامود فيصل حاليًا ، لنشيع جثمان الملك فيصل الأول، الذي مات في سويسرة بغير ‏الدوزنطاريا. ‏
ولذلك قرروا أن يقتلوا كل من تلقاه الجنازة في طريقها، احترامًا لذكرى خان الأول، كما قتلنا في الثلاثينيات ‏ثلاثة أيام دراسة احترامًا للملك الأول. فأزهقوا في طريق هذه الجنازة، بحسب ما سجله المؤرخون، عشرين ‏ألف روح وروحًا واحدة، هي روح عمي لجدي الذي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو متشبث بصنم الخان مانجو بعد ‏سبعة قرون. ‏
تبين عمي لجدي، وهو في القاع، أنه أخيرًا لقي الكنز الذي ظلت العائلة تبحث عنه عبر الأجيال، فدهمته ‏الفرحة، فأضاع فتيله، فلم يجد الباب. فأخذ ينادي على زوجه مقدرًا أن بيته، الذي بجوار الخربة، هو الآن ‏فوقه. وروى لها كل ما أسلفت ذكره. فسمعت صوته قادمًا من الأعماق. إلاّ أنه استحلفها بقبر والديها ألاّ تخبر ‏أحدًا، حتى أخاه. بل أن تنزل إلىه من فتحة الهوة في حائط الخربة المهجورة. فخرجت. فلم تجد أي بيت ‏مهجور في القرية. فعادت إلى البيت وألصقت جبينها بالأرض ونادت عليه. فشتمها على نزقها، وأمرها بالتزام ‏الصمت حتى الصباح. فالصباح رباح. وسيجد طريقه لوحده. ‏
فلما لم يعد، أخبرت أهله بالأمر. فقاموا يفتشون، فلم يجدوا أية خربة. ‏
ولم يشاؤوا أن يبلغوا الحكومة حتى لا تضع يدها على الكنز فيضيع الكنز عليهم. وظلوا يبحثون عنه وعن صنم ‏مانجو حتى قامت الدولة. أما زوجه، فلم تمت إلاّ بعد أن وجدت غيره، ولم يكن عاقرًا. ‏
وأما أنا، فقررت ألاّ أموت مقوس الظهر كأسلافي. ومنذ نعومة أظفاري أقلعت عن البحث بين قدمي عن كنز ‏للخلاص. بل رحت أبحث عنه فيما فوق، في هذا الفضاء الذي لا نهاية له، في هذا (البحر بلا ساحل) كما ‏وصفه محيي الدين بن عربي. ‏
فقد قيض لنا، ونحن في المدرسة الابتدائية، أستاذ مغضوب عليه مولع بعلم الفلك، حكى لنا حكايات العباس بن ‏فرناس وجول فيرن، وتعصب للفلكيين العرب القدماء، من ابن رشد، الذي كان أول من درس بقع الشمس ‏حتى البتَّاني الحرَّاني الذي كان أول من استنتج أن معادلة الزمن تتغير تغيرًا بطيئًا مع مر الأجيال، وأول من ‏توصل بكثير من الدقة إلى تصحيح طول السنة الشمسية. فإذا كانت مدتها الحقيقية، أعلن المغضوب عليه، هي ‏‏365 يومًا و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية، فإن البتاني حددها بـ 365 يومًا و5 ساعات و46 دقيقة ‏و32 ثانية، أي بفارق دقيقتين وأربع ثوان. فقد كان العرب، حين يفكرون - قال المغضوب عليه - أسرع ‏حركة حتى من دوران الأرض حول شمسها، فأصبحوا الآن يتخلون عن ملكة التفكير لغيرهم. ‏
وكان المغضوب عليه يبقينا في الصف بعد الدوام، ويغلق النوافذ، ثم يحكي لنا متباهيًا عن أبي الريحان محمد بن ‏أحمد البيروني، الذي استنبط كروية الأرض وأن جميع الأجسام تنجذب نحوها قبل نيوتن بثمانمئة عام، وخصوصًا ‏عن الحسن بن الهيثم الذي كان، وهنا يخفت صوت المغضوب عليه فيصبح همسًا ثوريًا، أول عالم انتهج ‏الأسلوب العلمي المادي الحديث بضرورة الاعتماد على الواقع الموجود والأخذ بالاستقراء والمقارنة. فقد كان ‏العرب حين يفكرون - قال الأستاذ المغضوب عليه - يعملون ثم يحلمون، لا كما يفعلون الآن، يحلمون ثم ‏يظلون يحلمون. ‏
ومنذ ذلك الحين وأنا أحلم بأن يذكرني التاريخ حين يذكر فلكيينا الأقدمين. وبقيت أحلم على هذا المنوال حتى ‏جندلوا والدي، رحمه الله، وقامت دولة إسرائيل. ‏
وكان أستاذنا المغضوب عليه يؤكد لنا أن العرب هم أول من استعمل الصفر للغاية نفسها التي نستعمله لها ‏الآن، ثم قسم الواحد على صفر فأثبت لنا أن هذا الفضاء لا نهاية له، والكون فيه: ‏
يسبح في بحر بلا ســـــــاحل
‏ في حنــــــدس الغيب وظلمائه *‏
فلا بد أن تكون فيه عوالم مثل عالمنا، وأرقى منا، فلا بد أن يأتوا إلينا قبل أن نذهب إليهم. ‏
لقد خرج الأتراك وأتى إلينا الإنجليز، فلم يتزحزح أستاذنا المغضوب عليه عن نظريته هذه. فكيف أتزحزح ‏عنها، أنا الشاب وعمري كله أمامي، بعد أن خرج الإنجليز وأتتنا إسرائيل? ‏
منذ ذلك الوقت وأنا أنظر إلى أعلى وأنتظر مجيئهم، فإما أن يبدلوا حياتي الرتيبة المملة تبديلاً، أو أن يأخذوني ‏معهم. وهل هناك من بديل? لذلك خرجت من فناء جامع الجزّار، في ساعة الفجر الكاذب، ورحت أجوب ‏طرقات عكا المظلمة وأنا أتطلَّع إلى فوق. ‏

‏* لإبن عربي

الأربعاء، 25 أبريل 2007

(9)

الإشارة الأولي من الفضاء السحيق

فلما انفض السامر، وبقيت وحدي مع معلمي، الذي أنقذني من غضب الأشباح، شعرت بالامتنان، وبرغبتي في ‏التعبير عنه. كان معلمي هذا، كما تذكر يا محترم، هو السبب في انقطاع صلتي بـ (يعاد)، ذات العينين ‏الخضراوين. ولكن قلبي كبير. فقلت له: إنني مسرور بأن أبيت في كنفه ليلتي الأولي في هذه الدولة الجديدة. ‏فهو، بعد الأدون سفسارشك، وصية أبي. فماذا تفعل هنا يا معلمي? ‏
قال: أجمع الشمل. ‏
ثم قال: والحقيقة، يا ولدي أنهم ليسوا أسوأ من غيرهم في التاريخ. ‏
فهززت رأسي استحسانًا. ‏
فقال: حقًا إنهم هدموا القرى التي ذكرها القوم، وشردوا أهلها. ولكن، يا ولدي، إن في قلوبهم لرأفة لم يحظ بها ‏أجدادنا من الغزاة الذين سبقوهم. ‏
خذ لك عكا هذه مثلاً. فحين افتتحها الصليبيون في سنة 1104، بعد حصار دام ثلاثة أسابيع، ذبحوا أهلها ‏ونهبوا أموالهم. ‏
وبقيت في أيديهم 83 عامًا حتى حررها صلاح الدين بعد وقعة حطين التي علمتكم عنها في المدرسة. ‏
ثم عاد الصليبيون فحاصروا عكا مدة سنتين كاملتين، من آب 1189 حتى تموز 1191، فأكره الجوع أهلها ‏على الاستسلام بشروط قاسية. فلما لم يستطيعوا إيفاءها أمر ملكهم ريتشارد ليون هارت (يعني قلب الأسد) ‏بذبح 2600 رأس من رؤوس الرهائن الآدمية. وظلت عكا في أيديهم قرنًا كاملاً، مئة عام من الزمن يا بني، ‏حتى حررها القائد المملوكي قلاوون، سنة .1291 وكان لقبه العسكري هو (الألفي)، تقديرًا للثمن الباهظ ‏الذي دفع فيه، وهو ألف دينار. ‏
فأردت أن أثبت له أنني لا أزال من طلابه النجباء، فسألته: ‏
‏- فهل رتبة (الألوف) من جنرالاتهم الآن، يا معلمي، منحوتة من هذا المعني? ‏
‏- حاشاوكلا يا بني. بل تعود إلى قائد الألف في التوراة. هؤلاء ليسوا مماليك، وليسوا صليبيين، بل عائدون إلى ‏وطنهم بعد غيبة ألفي سنة. ‏
‏- ما أقوى ذاكرتهم! ‏
‏- على كل حال، يا بني، ظل الحديث يجري، منذ ألفي سنة، على الألوف، قادة ألفيون، أو ألوفيون، وقتلى ‏بالألوف. ليس هناك على الأرض أقدس من دم الإنسان، يا بني، ولذلك سميت بلادنا بالمقدسة. ‏
‏- ومدينتي حيفا، أيضًا، مقدسة? ‏
‏- كل مكان في بلادنا قد تقدس بدماء المذبوحين، ويظل يتقدس يا بني. ومدينتك حيفا لا تختلف عن بقية مدننا ‏المقدسة. فبعد أن اكتسح الصليبيون مدينة القدس المقدسة، عليها السلام، في سنة 1099، وكتب ملكهم ‏جوتفريد في رسالته إلى البابا متباهيًا بأن (أكوام الرؤوس والأيدي والأرجل كانت ترى في ساحات المدينة ‏وطرقاتها)، وبأنه في مسجد عمر، رضي الله عنه، حيث التجأ المسلمون (وصلت الدماء إلى ركب الخيل)، ذهبوا ‏وافتتحوا حيفا بعد أن حاصرها أسطول البندقية شهرًا. فذبحوا أهليها عن بكرة أبيهم، رجالاً ونساء وأولادًا. ‏
فحيفا ليست مدينة جديدة يا بني، إلاّ أنه بعد كل مذبحة، لم يبق فيها من يخبر الذرية بأصلها. ‏
‏- فلماذا لم تعلمونا عن هذه القدسية يا معلمي? ‏
‏- من حق الإنجليز أن يتباهوا بتاريخهم، يا ولدي. وخصوصًا بملكهم العظيم ليون هارت. وبدون أن نعلمكم ‏هذه الأمور شاركوا هم أيضًا، بدمائنا، في عملية تقديس بلادنا. والتاريخ يا بني، لا يصح في عيون الغزاة إلا ‏بتزوير التاريخ. ‏
‏- فهل سيسمحون لنا، يا معلمي، بدراسة هذا التاريخ بعد أن جلا الغزاة ونالت البلاد استقلالها? ‏
‏- انتظر فتر. ‏
‏- وهل يدخلون جامع الجزار كما دخل الصليبيون مسجد عمر? ‏

‏- حاشاوكلا يا بني، بل يقرعون الباب فنخرج نحن إليهم إنهم لا يدنسون حرمة دور العبادة، بل إن لهم في ‏خارجها، متسعًا لهذا الأمر. ‏
وما أن أكمل معلمي كلامه المطمئن هذا، حتى سمعنا قرعًا شديدًا على الباب. فقال معلمي: لقد جاءوا. ‏
فقلت: ربما جاء الأدون سفسارشك من حيفا ليستفسر عن حالي. ‏
ولكن معلمي كان قد بلغ الباب. وكانت الأشباح قد استيقظت، وأخذت تحوم في فناء الجامع على غير هدى. ‏
وحبسنا أنفاسنا ونحن نستمع إلى الأمر بأن الجيش قرر أن يعيد اللاجئين، الملتجئين في كنف المسجد، إلى قراهم ‏الأصلية حالاً. ‏
فهمس شبح إلى جانبي: فلماذا لا ينتظرون حتى الصباح? ‏
فأدهشني هذا السؤال، وقلت: خير البر عاجله. ‏
فصاح الآمر: سعيد أبو النحس يبقى وحده مع المعلم، وجميع الآخرين ليخرجوا! ‏
فتحققت كلام معلمي أنهم ليسوا أسوأ من الملك ليون هارت. ‏
وانسلت شكرية، التي ماتت ابنتها، من الباب الشرقي وهي تحمل طفلتها على يديها. وقبل أن تغيب في السوق ‏العتم سألتها: إلى أين? قالت: في الصباح ادفنها في عكا وأتوكل. ‏
وانسل آخرون من الباب الجنوبي ليضيعوا في أزقة عكا القديمة. فسألت: لماذا? فقالوا: ما عندنا أدون ‏سفسارشك، والذي هدم قرانا لا يعيدنا إليها. ‏
وأما الباقون فحملوا خرقهم، وأولادهم، وخرجوا من الباب الشمالي الكبير حيث حملوا في سيارات ضخمة ‏حملتهم، كما أخبرني معلمي فيما بعد، إلى الحدود، حيث ألقتهم شمالاً، وتوكلت. ‏
فعاد معلمي واتكأ حيث كنت متكئًا على المزولة وقد زاولني القلق. وقال: قم الآن ونم، لقد فرغت الليلة ‏جعبتي. ‏
ولكنني لم أنم. ‏
ففي تلك الليلة، في ساعة الفجر الكاذب، شاهدت الإشارة الأولى من الفضاء السحيق.‏

الثلاثاء، 24 أبريل 2007

(8)

جلسة ليلية عجيبة في فناء جامع الجزار

صفق معلمي براحتيه ثلاثًا، ثم قال مخاطبًا الظلام في فناء المسجد: عودوا إلى شؤونكم يا قوم، فهذا واحد منا. ‏
فإذا باللغط المحبوس ينفلت. وتنشال الأكف عن أفواه الأطفال المنكتمة. وأرى أشباحًا تتقدم نحونا من غرف ‏المدرسة الأحمدية التي تحيط بالفناء الرحب من أطرافه الثلاثة، الشرقي والشمالي والغربي، فتتحلقنا، وتقرفص بعد ‏أن تطرح السلام، فعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فتستفهم عني. ‏
قلت: إني عائد من لبنان. ‏
فإذا بهرج وبمرج. ‏
فصاح معلمي: هذا ولدنا يا جماعة. فإذا عاد، عاد الآخرون. ‏
فسأل سائل: هل عدت متسللاً? ‏
فلم أشأ أن أحدثهم عن الدكتور عشيق أختي، ولا عن الدابة، ولا عن الأدون سفسارشك، فقلت: نعم. ‏
‏- فسيطردونك الليلة. ‏
قلت: إن لوالدي، الذي أعطاكم عمره، صديقًا من كبارهم، اسمه الأدون سفسارشك. ‏
فعاد الصخب. وعاد معلمي يطمئنهم: إن هو إلاّ صبي لم يبلغ الحلم. مع أن الليلة هي ليلة ميلادي الرابع ‏والعشرين. وكنت في حلم حقًا. ‏
وشكرت معلمي على أنه لم يدَّع أنني صبيه كي ينقذني من غضبهم، الذي لم أدرك له سببًا. ‏
حتى أنسوا بي، فأمطروني بالأسئلة عن شظايا أهلهم الذين التجأوا إلى لبنان. ‏
‏- نحن من الكويكات، التي هدموها وشردوا أهلها، فهل التقيت أحدًا من الكويكات? ‏
فأعجبني ترديد الكاف في الكويكات. فعاجلت ضحكتي قبل أن تنطلق، لولا صوت امرأة جاء من وراء المزولة ‏غربًا: ‏
‏- البنت ليست نائمة يا شكرية، البنت ميتة يا شكرية. ‏
ثم تناهت إلىنا صرخة مخنوقة، فاختنقت أنفاس الجمع حتى انحبست الصرخة. فعادوا إلى استجوابي. فقلت: لا. ‏
‏- أنا من المنشية. لم يبق فيها حجر على حجر، سوى القبور. فهل تعرف أحدًا من المنشية? ‏
‏- لا. ‏
‏- نحن هنا من عمقا، ولقد حرثوها، ودلقوا زيتها. فهل تعرف أحدًا من عمقا? ‏
‏- لا. ‏
‏- نحن هنا من البروة. لقد طردونا وهدموها، هل تعرف أحدًا من البروة? ‏
‏- أعرف امرأة كانت مختبئة مع طفلها بين أعواد السمسم. ‏
فسمعت أصواتًا كثيرة تحدس أيهن تكون هذه المرأة، فعدوا أكثر من عشرين أم فلان حتى صاح كهل من ‏بينهم: كفوا! إنها أم البروة، فحسبها وحسبنا. فكفوا. ‏
ثم عادت الأصوات تنتسب في عناد، مع أن قراها، كما فهمت، قد درستها العسكر: ‏
‏- نحن من الرويس. ‏
‏- نحن من الحدثة. ‏
‏- نحن من الدامون. ‏
‏- نحن من المزرعة. ‏
‏- نحن من شعب. ‏
‏- نحن من ميعار. ‏
‏- نحن من وعرة السريس. ‏
‏- نحن من الزيب. ‏
‏- نحن من البصة. ‏
‏- نحن من الكابري. ‏
‏- نحن من أقرت. ‏
ولا تنتظر مني يا محترم، بعد هذا الوقت الطويل أن أتذكر جميع القرى الدارسة، التي انتسبت إلىها الأشباح في ‏باحة جامع الجزار. هذا مع العلم بأننا نحن، أولاد حيفا، كنا نعرف عن قرى سكوتلندة أكثر مما كنا نعرف عن ‏قرى الجليل. فأكثر هذه القرى لم أسمع به إلاّ تلك الليلة. ‏
لا تلمني، يا محترم، بل لم أصحابك. ألم يكتب شاعركم الجليلي : ‏
‏(سأحفر رقم كل قسيمة ‏
من أرضنا سلبت ‏
وموقع قريتي، وحدودها ‏
وبيوت أهليها التي نسفت ‏
وأشجاري التي اقتلعت ‏
وكل زهيرة برية سحقت ‏
لكي أذكر ‏
سأبقى دائمًا أحفر ‏
جميع فصول مأساتي
وكل مراحل النكبة ‏
من الحبة ‏
إلى القبة ‏
فإلى متى يظل يحفر وتظل سنُو النسيان تعبر وتمحو? ومتى سيقرأ لنا المكتوب على الزيتونة? وهل بقيت زيتونة ‏في ساحة الدار? ‏
فلما لم يتلقوا مني أجوبة شافية، وأدركوا أنني لا أعرف من عباد الله سوى أهلي والأدون سفسارشك، انفضوا ‏من حولي وعادوا إلى زواياهم. فبقيت مع معلمي.‏

الاثنين، 23 أبريل 2007

(7)

ورود ذِكْر (يُعاد) لأول مرة

استقبلتنا عكا، حين دخلناها، وقد التفت بعباءة الليل العباسية. فتذكرت صاحبتي (يُعاد)، التي لم تبتسم في ‏القطار لسواي، فتسارع وجيب الفؤاد. ‏
فعكا، التي صمدت للصليبيين أطول مما صمد غيرها من الحواضر، وردت نابليون، ولم يدخلها التتار. حافظت ‏على هيبتها بعد أن هرمت وشاخت وأصبح سورها محششة، ومنارها مثل قنديل جحا.. فظلت القصبة حتى بعد ‏أن تصنعت حيفا واستشببت. وظلت مدرستها الثانوية، في الغرف الكلينية على كتف السور الشرقي، أعلى ‏صفوفًا من مدرسة حيفا الثانوية. فانتقلنا إلى (مدرسة الفرقة)* في عكا، ذهابًا وإيابًا يوميًا في القطار. وفي القطار ‏التقينا صاحبتي (يعاد) الحيفاوية التي كانت مثلنا تتأبط مزودتها، وتتعلم في مدرسة البنات العكية، وتعود معنا. ‏إلاّ أنها كانت تنزوي في المقصورة الوحيدة في القطار، تدخلها و

السبت، 21 أبريل 2007

(6)

كيف شارك سعيد في حرب الاستقلال لأول مرة

ولنعد، يا محترم، إلى مقر الحاكم العسكري الذي، ما أن شتم الأدون سفسارشك حتى نزلت عن الحمار. ‏فسرعان ما تبين لي أن الشتم لا يدل على استهانة الشاتم بالمشتوم، بل يدل، أحيانًا، على الغيرة. ‏
فما أن قعدت على المقعد راضيًا عن أن قامتى أطول من قامة الحاكم العسكري، حتى بدون قوائم الدابة، حتى ‏هرع هذا الأخير، أي الحاكم العسكري، إلى التلفون ورطن فيه ببعض كلام لم أفهم منه سوى اسمين ارتبطا بي ‏فيما بعد زمنًا طويلاً: أبي النحس وسفسارشك. ثم ألقاه، وصاح في وجهي أن قم. فقمت. ‏
قال: أنا أبو إسحق، فاتبعني. فتبعته إلى سيارة جيب أوقفوها بقرب العتبة وحماري يتمخط إلى جانبها. قال: ‏لنركب. فاعتلى سيارته واعتليت جحشي. فزعق، فانتفضنا، فوقعت عن ظهر الحمار، فوجدتني بقربه، أي ‏بقرب الحاكم العسكري في السيارة التي توجهت بنا غربًا في طريق ترابي بين أعواد السمسم. قلت: إلى أين? ‏قال: عكا، وانكتم. فانكتمت. ‏
وما أن مرت بضع دقائق حتى أوقف الجيب فجأة، وانطلق منه كالسهم، وقد أشرع مسدسه. ثم اخترق أعواد ‏السمسم وكشفها ببطنه، فإذا بامرأة قروية مقرفصة ووليدها في حجرها وقد رأرأت عيناه. ‏
فصاح: من أية قرية? ‏
فظلت الأم مقرفصة تطل عليه بنظرات شاخصة مع أنه كان واقفًا فوقها كالطود. ‏
فصاح: من البروة? ‏
فلم تجبه بعينيها الشاخصتين. ‏
فصوب مسدسه نحو صدغ الولد، وصاح: أجيبي أو أفرغه فيه. ‏

فانكمشت تأهبًا للانقضاض عليه، وليكن ما يكون. ففي عروقي تجري دماء الشباب الحارة، أنا ابن الرابعة ‏والعشرين، وحتى الصخر لا يطيق هذا المنظر. غير أني تذكرت وصية أبي وبركة والدتي. فقلت في نفسي: سأثور ‏عليه إذا ما أطلق الرصاص. ولكنه يهددها فحسب. فبقيت منكمشًا. ‏
وأما المرأة، فقد أجابته هذه المرة: نعم من البروة. ‏
فصرخ: أعائدة أنت إليها? ‏
فأجابته: نعم عائدة. ‏
فصرخ: ألم أنذركم أن من يعود إلىها يقتل? ألا تفهمون النظام? أتحسبونها فوضى? قومي اجري أمامي عائدة ‏إلى أي مكان شرقًا. وإذا رأيتك مرة ثانية على هذا الدرب، فلن أوفرك. ‏
فقامت المرأة، وقبضت على يد ولدها وتوجهت شرقًا دون أن تلتفت وراءها. وسار ولدها معها دون أن يلتفت ‏وراءه. ‏
وهنا لاحظت أولى الظواهر الخارقة التي توالت علي فيما بعد حتى التقيت، أخيرًا، صحبي الفضائيين. فكلما ‏ابتعدت المرأة وولدها عن مكاننا، الحاكم على الأرض وأنا في الجيب، ازدادا طولاً حتى اختلطا بظليهما في ‏الشمس الغاربة، فصارا أطول من سهل عكا. فظل الحاكم واقفًا ينتظر اختفاءهما، وظللت أنا قاعدًا أنكمش، ‏حتى تساءل مذهولاً: متى يغيبان? ‏
إلا أن هذا السؤال لم يكن موجهًا إلىّ. ‏
والبروة هذه هي قرية الشاعر* الذي قال، بعد 15 سنة: ‏
‏((أهنئ الجلاد منتصرًا على عين كحيلة
‏ مرحى لفاتح قرية، مرحى لسفاح الطفولة) )‏
فهل كان هو الولد? وهل ظل يمشي شرقًا بعد أن فك يده من قبضة أمه وتركها في الظل? ‏
لماذا أروي لك، يا معلم، هذه الحادثة التافهة? ‏
لعدة أسباب منها: ظاهرة نمو الأجسام كلما ابتعدت عن أنظارنا. ‏
ومنها أنها برهان آخر على أن اسم عائلتنا العريقة هو اسم له هيبته في قلوب رجالات الدولة. فلولا هذه الهيبة ‏لأفرغ الحاكم مسدسه في رأسي، وقد شاهدني منكمشًا تأهبًا. ‏
ومنها: أني شعرت، لأول مرة، أنني أكمل رسالة والدي، رحمه الله، وأخدم الدولة، بعد قيامها على الأقل. ‏فلماذا لا أتبحبح مع الحاكم العسكري? ‏
وتبحبحت، فسألته: سيارتك هذه، من أي موديل? ‏
فقال: انكتم. ‏
فانكتمت. ‏
فشاعر البروة، السالف الذكر، قال: ‏
‏(نحن أدرى بالشياطين التي
‏ تجعل من طفل نبيا) ‏
ولم يدر، إلاّ أخيرًا، بأن هذه الشياطين نفسها تجعل من طفل آخر نسيًا منسيًّا.
*محمود درويش‏